الجاحظ
332
الحيوان
كلامهم ، على أيّ مقادير كانوا يضعونها ، ومن أيّ شيء اشتقّوها ، وكيف كان السبب . وربّ شيء أنكرناه فإذا عرفنا سببه أقررنا به . وقال أبو الحسن : مر إياس بن معاوية بديك ينقر حبّا ولا يفرقه ، فقال : ينبغي أن يكون هذا هرما ، فإنّ الهرم إذا ألقي له الحبّ لم يفرقه ليجتمع الدجاج حوله . والهرم قد فنيت رغبته فيهنّ ، فليس همّه إلّا نفسه . ورووا عنه أنّه قال : اللافظة الديك الشابّ ، وإنّه يأخذ الحبّة يؤثر بها الدّجاج ، والهرم لا يفعل ذلك ، وإنّما هو لافظة ما دام شابّا . وقال صاحب الكلب : وذكر ابن سيرين عن أبي هريرة : « أن كلبا مرّ بامرأة وهو يلهث عند بئر ، فنزعت خفّها فسقته ، فغفر اللّه تعالى لها » « 1 » . وعنه قال : « غفر اللّه لبغيّ أو لمؤمنة مرّ بها كلب فنزعت خفّها فسقته » « 2 » . وقال صاحب الكلب : وقال ابن داحة : ضرب ناس من السّلطاء جارا لهم ، ولبّبوه وسحبوه وجرّوه ، وله كلب قد ربّاه ، فلم يزل ينبح عليهم ويشقّق ثيابهم ، ولولا أنّ المضروب المسحوب كان يكفّه ويزجره ، لقد كان عقر بعضهم أو منعه منهم . قال إبراهيم النّظّام : قدّمتم السّنّور على الكلب ، ورويتم أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها ، كقوله عند مسألته عنها : « إنّهنّ من الطّوّافات عليكم » « 3 » . وكلّ منفعة عند السّنّور إنّما هي أكل الفأر فقط ، وعلى أنّكم قلّما تجدون سنّورا يطلب الفأر ، فإن كان مما يطلب ويأكل الفأر ، لم يعدمكم أن يأكل حمامكم وفراخكم والعصافير التي يتلهّى بها أولادكم ، والطائر يتّخذ لحسنه وحسن صوته . والذي لا بدّ منه الوثوب على صغار الفراريج . فإن هو عفّ عن أموالكم
--> ( 1 ) أخرج البخاري في المساقاة برقم 2234 ( عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش ، فنزل بئرا فشرب منها ، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي ، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه ، ثم رقي فسقى الكلب ، فشكر اللّه له فغفر له ) ، وأعاده البخاري في المظالم برقم 2334 ، وفي الأدب برقم 563 ، وأخرجه مسلم في السلام برقم 2244 . ( 2 ) أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3143 ( عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : غفر لامرأة مومسة مرّت بكلب على رأس ركيّ يلهث ، قال : كاد يقتله العطش ، فنزعت خفها ، فأوثقته بخمارها ، فنزعت له من الماء ، فغفر لها بذلك ) ، وأخرج في الأنبياء برقم 3280 حديثا مثله ، وأخرجه مسلم في السلام برقم 2245 . ( 3 ) مسند أحمد 5 / 296 ، وأبو داود في الطهارة 1 / 19 ، والترمذي في الطهارة 1 / 154 .